تحت اللسان  : عندما تموت المعاني وتتحجر المبادئ .. عندما يطالنا حيف القمع وتدنس حرمة حق التعبير بكي أفواهنا .. عندما تبح أصواتنا في محيط مرغت فيه فلسفة الجمال في وحل الدونية والتصنع .. عندما تنطلق الفلسفة من الارتياب وتطغى جدلية الحقيقة التي تنكسها ستائر الأكاذيب معلنة الحداد، لتنتصب أخيرا أربعينية البحث عن الحقيقة وترفع أعلام الحياة تحت ذوي شعار : و تستمر الحياة ...

مدونة تحت اللـسـان صرخة ثائرة بلسان شباب مغربي عاقل .. ناضج .. مسؤول ووطني حتى النخاع ... أسلوبي ربما شعبي .. ربما ساخر .. ربما جريء ( سكر زيادة ) ربما أسلوب ثَمل أحيانا ترشه مياه الصحوة العاقلة من لدن القراء الذين احتسوا قبلي من قدح البحث عن قنديل الحقيقة والتغيير، ليدور علي دور حياكة خيوط ملَكة الكتابة التي أتمنى أن تكون نتاج لنسيج على المقاس .. وهذا قلمي... !!!

بلقاسم يازيدي

 


مع وقف التنفيد ( الجزء الثاني )

كتبهابلقاسم يازيدي ، في 6 يناير 2008 الساعة: 17:27 م

إنها حقا لمسؤولية جسيمة تلك التي يحملك إياها أولئك الذين وضعوا ثقتهم فيك لكي تتكلم بلسانهم، ليس لأنهم عاجزين عن سرد مجريات إحدى محطات حياتهم الأكثر وقعا في نفوسهم و لا حتى لأنهم قاصرين أدبيا أو ببساطة غير راضين عن مقطع معين في شريط ذكرياتهم . يفعلون ذلك لأنهم يرون فيك ناطقا رسميا باسم ترددهم و لأنهم يجمعون على انتخابك ممثلا عنهم كي تنصف ضمائرهم و حتى تكون شكواهم تبريرا يلتقطه اللبيب عبر السطور و ما وراء السطور .

ترفض بادئ الأمر طواعة هذه الأمانة لأنك تخشى أن يجرك سحر الأدب و تنسيك أضواء العظمة عن أداء واجبك كرسول عن ضمائر مضطهدة . لكن في النهاية تأخذ المبادرة لأن التنازل يعبد طريق السكوت و لأنك في حاجة ماسة إلى اجترار تلك الأحداث لتتخلص من عقدة العتاب و اللوم و أنت مؤمن بأنك معرض في أمانتك تلك، إلى أنك مجرد مندوب عن من هم أفضل منك بكثير، قادرين على أن يجعلوا من اللحظة إبداعا هادفا غير الذي ستقوم به أنت . يبقى فقط أن تكون عند حسن ظن من اصطفوك عليهم و أن توصل رسالتهم .

ما تقدم من طفولتي في حدود علاقتي بعالم التجارة، لا يجدر اعتباره مأساة أو حتى معاناة، لأني نزلت ضيفا على هذه الحياة ولم أختر التجارة بل هي التي اختارتني . لكن في الحقيقة هناك من يعتبرها مأساة حقيقية مقارنة مع من أطلق صرخة الحياة ولم يجبر على الأخذ من تاويل التجارة منذ صغره رغما عن أنفه و لم يحرم من حق التعليم و من حق الاستمتاع بطفولته …

بلسان هؤلاء سأكمل سرد تلك الحقائق التي أتفهم بسببها أن يأتيك أحدهم و يدرف الدموع لأن والده أخرجه من مكانه الطبيعي بقمطره الدراسي لكي يساعد والده . سأكتب أصالة عن نفسي لأني أحس برغبة ماسة في الكتابة، ونيابة عن أشخاص يدفعون إلى الآن أقساط أنانية ولاة أمورهم . أشخاص لا يزالون إلى غاية الأمس يتذكرون أساتذتهم الذين يأتون تباعا لمقابلة ولاة أمورهم كي يستفسروا عن سبب انقطاع أبنائهم المتفوقين عن الدراسة بتلك الطريقة الغامضة و المفاجأة و كأن الأرض انشقت وابتلعتهم .

من حسن حظي أن والدي طيلة حياته لم يرغمني على ممارسة التجارة عكس الكثيرين الذين يجبرون على تسليم آذانهم لكي يشدها آبائهم كل مساء لأنهم لم يلتحقوا بالمتجر لمساعدتهم . كنت أمقت التجارة من كل أعماق قلبي و في ذات الوقت كنت أحبها لأنها مركز أنشطتي التي لا تنتهي، خاصة إن تعلق الأمر بإغضاب والدي عندما يشتكيه الزبناء مني لأني حرمت دراجاتهم النارية من مصابيحها الصغيرة أو عندما أدهب في رحلة على مثن دراجة أحد الزبائن ( الكرام ) و لا أعود إلا و أنا أجر هيكل الدراجة أو بالأحرى أطلالها، ولا يفوتني طبعا درف ما تيسر من دموع التماسيح حتى أتقي التعبئة المضاعفة للعقاب على يد والدي و المطالب بالحق المدني !

لكم كنت أشفق على والدي لأن الله ابتلاه بابن شقي مثلي لا يتوانى عن جلب متاعب تضطره إلى فرض حراسة مشددة علي و أنا بجواره في المتجر كما يفعل المروض باحدى قروده النشيطة ( سكر زيادة ) ! تبقى الشقاوة في الحقيقة متنفسا طبيعيا لصبي وجد نفسه بين أربعة جدران محكوم عليه بالإقامة الجبرية في مكان ليس مناسبا لطفل في مثل سني، خاصة إن كان لا يشكو من احتياجات خاصة في الشغب و الشقاوة و إثارة أعصاب والده .

بالرغم من كون العديدين تنبؤوا لي بمستقبل غير زاهر في التجارة لأني صاحب سوابق تجارية خيبت ظن والدي، إلا أنه لم يقنط من رحمة الله و بات يلمح لي بأني أصلح كتاجر . الواقع أني فعلا أصلح كتاجر و لي كل المؤهلات لذلك، و ليس أمثالي الذين تسلموا مسؤولية تسيير مقاولات ولاة أمورهم أفضل مني، لكن الفرق بيني و بينهم يكمن في اختيارهم و ميولهم الشخصي للميدان و حبهم له منذ الصغر . و لعل تنازلهم الشخصي عن الدراسة عن طيب خاطرهم، دليل على حبهم للتجارة و رضاهم عنها . بينما أنا و في صفي الكثيرين، و جدت نفسي مجرد قوة اضطرارية تتدخل بشكل ربما عشوائي، لكنها قوة صالحة لسد الخصاص و الفراغ الذي يخلفه مساعد والدي عندما يأخذ حسابه أو ينهي عقده و خدماته مع والدي . لم أنظر إلى نفسي إلا من هذه الزاوية، يعني مجرد خلف لمساعد والدي و نائب عنه، تاركا وراءي دراستي و مضحيا بدروسي لأيام، ريثما تعود المياه إلى مجاريها و أفعل ذلك بكل افتخار ما دمت مقتنعا بأني أفعل الصواب و لا أحتاج حتى إلى استغاثة والدي بي، لأننا في هذه الحياة لن نأخذ معنا شيئا إلى تلك الحفرة المريبة و المظلمة و لن تشفع لنا سوى أعمالنا ورضى ذوينا عنا .

عندما كبرت اكتشفت بأن التجارة لا تقتصر فقط على تعويض غياب مساعد صاحب المتجر و خدمة الزبائن، بل إن هناك مهام أخرى عليك أن تبادر بنفسك لتعلمها قصد فرض نفسك و اثبات ذاتك، لأن في بعض الأحيان إن لم تسارع بأخذ المبادرة، فلا شك ستباغثك الأيام و تجد نفسك في متاهة و دوامة ما لها من قرار .

أحيانا عندما أدخل مع والدي في جدلية القبول و الرفض لميدان التجارة، أجدني قد خسرت الجولة و أن علي أن أسلم نفسي ( مؤقتا ) لقراره . و كم تعجبني تلك الحكمة الشعبية التي لطالما رددها والدي على مسامعي حتى يوقعني في حب التجارة حبيا و يقول : ( اتبع صنعت بوك ليغلبوك ) . المصيبة أني أعلم علم اليقين بأن هذه الحكمة سيكون مصيرها في يوم من الأيام : ( اتبع صنعت بوك الله ينعل بوك )، يعني يوم أجبر على تسلم مقاليد الحكم رغما عن أنفي .

لعل من بين الأشياء المفيدة التي تركت بصمتها في شخصيتي طيلة علاقتي بالتجارة، أني تعلمت الصمود و البقاء بين أربعة جدران لمدة طويلة، و ليس ذلك سهلا بحكم دينامية الشباب التي تقتضي كثرة التنقلات و الحركة . في كل مرة أعوض فيها غياب مساعد والدي، أجد نفسي ملزما كي أتسمر في المتجر منذ السابعة صباحا حتى الثانية بعد الزوال، ومن الرابعة حتى العاشرة ليلا أو إلى منتصف الليل حسب التوقيت المعتمد تجاريا . كنت أشعر بضيق حاد في التنفس و في رغبة ماسة للهروب، إلا أني كنت أعشق أن أتحدى هذا الضيق و هذا الضعف و أسلم أمري لله حتى اعتدت أخيرا على ذلك …

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

7 تعليق على “مع وقف التنفيد ( الجزء الثاني )”

  1. العزيز بلقاسم

    لقد أحسنت بالفعل سرد الحقائق كما هي وكنت ناطقا رسميا باسم جيل أفتخر أني أشاركك الإنتماء إليه

    تعلم التجارة يا أخي يبتدئ دائما هكذا سويعات تلي سويعات وأيام تتلو أيام حتى تجد نفسك وقد تسلمت بالفعل مقاليد الحكم كما قلت

    سرد متميز من كاتب رائع أحييك أخي الحبيب

    دام لك الحضور والتجلي

  2. عام هجري سعيد، وكل عام و أنتم بخير

    بمناسبة السنة الهجريـة الجديـدة

    1429

    أسأل الله أن تكون سنة يمن وإيمان، وخير وبركة وتوفيق … لنا جميعا.

    وتكون فاتحة تقدم ونهضة وعزة لأمتنا الإسلامية جمعاء

  3. عزيزي المبدع آسفة عن تأخيري الخارج عن إرادتي،، فالدراسة لم تجعل لي مجالا لفعل شيء آخر …
    يا أيها التاجر الذي تملص من مصير يقيني بفضل شخصية قوية أحييك على هذا الشغب الذي استهوته روحي العاشقة …!
    تذكرت عند قراءة هذا المقال شيئا تجادلنا مرارا و تكرارا الحديث عنه ،، إنه الذي كان “بنكهة ” ما ، أتذكر ؟ أصابتني ضحكة هستيرية و أنا أجتر كل ذاك الكلام ..
    فما أخبث ذكائنا !! أقصد ذكائك أنت أما أنا فمازلت سجينة الغباء !
    أيها الشقي ارحمني فقد سئمت تسكع سذاجتي التي تحول بيني وبين إطلاق العنان لفكري من أجل تخيل “عمي” بلقاسم و هو تاجر !!
    تحياتي في انتظار إبداع جديد ، بنكهة جديدة !

  4. مرحبا بلقاسم

    مررت وكان لابد من أن أترك توقيعا متواضعا….لن أكتب عن أسلوبك في

    الكتابة أو السرد أو شيئا من هذا القبيل…فهذا لا يحتاج مني الى تعليق…

    بل سأقول لك كلمات - هي ليست لي…- بخصوص هذا الموضوع…

    ما كل ما يتمنى المرء يدركه***تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن

    تحياتي أيها…المشاغب…

  5. مرحبا عزيزي

    مررت مجددا لأقول لك تحضر لعتاب من أحدهم….

    هل أغضبت أحد…آه…أيها المشاغب…

    أنا بريئ…لقد دافعت عنك…

    تحياتي

  6. بسم الله الرحمن الرحيم

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    الحمد لله رب العالمين … والصلاة والسلام على سيد المرسلين وقائد الغر الميامين …

    أذكر نفسى وإياكم فى 00000

    فضل صيام العاشر والتاسع من شهر محرم

    خص الله سبحانه وتعالى مواسم فاضله وأزمنة مباركه بمزيد من الفضل والاهتمام وحث عبادة عليها وعلى اغتنام ما فيها من اجر بالأعمال الصالحة المقربة لمرضاته وجناته والتنافس في تحصيل الأجـر بها قـال في ذلك جـل عـلاه ( فاستبقوا الخيرات ) .

    وها هي مواسم الطاعات تتوالى على المؤمنين ليغترفوا من فضل الله فما إن انتهى شهر الرحمة والمغفرة شهر رمضان وما فيه من فضل وعظيم اجر كريم حتى هل علينا موسم الحج وما فيه من فضائل عديدة وهي فضل العشر الأول من ذي الحجة وفضل صيام يوم عرفة للمقيم وغيرها من الفضائل وما إن أتنهى موسم الحج

    … حتى أكرمنا الله بشهر محرم والذي قال عنه

  7. الاخ بلقاسم.

    سنة هجرية سعيدة.

    وكل عام وانتم بألف خير.

    مودتي.



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر