تحت اللسان  : عندما تموت المعاني وتتحجر المبادئ .. عندما يطالنا حيف القمع وتدنس حرمة حق التعبير بكي أفواهنا .. عندما تبح أصواتنا في محيط مرغت فيه فلسفة الجمال في وحل الدونية والتصنع .. عندما تنطلق الفلسفة من الارتياب وتطغى جدلية الحقيقة التي تنكسها ستائر الأكاذيب معلنة الحداد، لتنتصب أخيرا أربعينية البحث عن الحقيقة وترفع أعلام الحياة تحت ذوي شعار : و تستمر الحياة ...

مدونة تحت اللـسـان صرخة ثائرة بلسان شباب مغربي عاقل .. ناضج .. مسؤول ووطني حتى النخاع ... أسلوبي ربما شعبي .. ربما ساخر .. ربما جريء ( سكر زيادة ) ربما أسلوب ثَمل أحيانا ترشه مياه الصحوة العاقلة من لدن القراء الذين احتسوا قبلي من قدح البحث عن قنديل الحقيقة والتغيير، ليدور علي دور حياكة خيوط ملَكة الكتابة التي أتمنى أن تكون نتاج لنسيج على المقاس .. وهذا قلمي... !!!

بلقاسم يازيدي

 


مع وقف التنفيذ ( الجزء الأول )

كتبهابلقاسم يازيدي ، في 4 يناير 2008 الساعة: 19:17 م

طيلة فترة احتكاكي بالتجارة و أناسها، تعلمت منذ عهدي الأول بها حتى الآن أشياء كثيرة جدا و فقدت بالمقابل بسببها عدة أشياء . ربما استطعت بفضل التجارة من إضافة مبادئ أخرى إلى رصيد شخصيتي و اقتحام شطارة التجار و مكرهم، لكن انتبهت فجأة إلى أني كبرت قبل الأوان و بسرعة على حساب طفولتي . لذلك أنا أفهم جيدا لماذا يحتقر أبناء بعض التجار مهنة التجارة وكل ما له علاقة بها، و أنا منهم .

فمعنى أن تكون ابن تاجر أو حتى ابن بقال، فهذا يعني أنك مجبر على حل واجباتك المدرسية بمتجر والدك تحت صراخ و قهقهات الزبائن، لذلك أنا أفهم أيضا لماذا العديد من أبناء التجار تكون مسيرتهم التعليمية متعثرة إلا من رحم ربي، هذا طبعا إن كانوا محظوظين و لم يدفعوا ثمن أنانية ولاة أمورهم عندما يحرموا أبنائهم من حق التعليم لغرض مساعدتهم في تجارتهم .

إن كان قدرك أن تتربى في كنف التجارة و ابتلاك الله بأب تاجر أو بقال، فعليك أن تعتاد الالتحاق بوالدك في متجره مباشرة بعد عودتك من المدرسة بدعوى أن تحتك بالزبناء و بالناس كي تصير رجلا، وكأن الرجولة تتمثل في حرمانك من اللعب مع أقرانك أو على الأقل أن تراجع دروسك في ظروف طبيعية عوض أن تجلس القرفصاء في إحدى أركان متجر والدك و تقوم بتشييد مكتب خاص بك بين صناديق السلع كي تراجع دروسك تحت رحمة مساومات الزبائن و ملاسناتهم مع مساعد والدك التاجر .

يستحيل حقا وأنت من صلب أب تاجر، أن تنعم بحق مراجعة دروسك في ظروف جيدة و أنت في عين ضوضاء المتجر و حركة الزبائن الذين يقطعون عليك تركيزك وأنت ملم بمراجعة دروسك عندما يسألونك عن قيمة سلعة ما، لترد عليهم بنبرة حادة بأنك مجرد ( وارث سر ) والدك وأن لا علم لك بثمن و بقيمة الأشياء حولك . هذا فقط لكي تتقي صداع الرأس معهم و لكي ترجع إلى دروسك و تحفظ في سلام . لكن تكون في ردة فعلك تلك قد جنيت على نفسك عندما ترى النجوم في عز النهار حينما ينزل والدك بيده على قفاك بذريعة أنك رفعت صوتك على أحد زبائنه الأوفياء .

عندما كان والدي يسألني و أنا بعد صغير السن عن الوظيفة أو المهنة التي أحلم بمزاولتها مستقبلا، كنت أجيبه بأني أود الالتحاق بالبحرية كي أصير قبطانا ولكي ينادي علي البحارة بـ : ( الرايس بلقاسم ) ! الواقع أن والدي كان يتوقع مني أن أصارحه بأني أحلم بأن أصير تاجرا ناجحا مثله و أن أحمل مشعل التجارة بعده، لكني كنت ماكرا و تعمدت أن أخيب ظنه  – سامحني الله – فقط لأني لا أحب التجارة . كيف لا و قد حرمتني كطفل من مشاهدة الرسوم المتحركة و من اللعب مع أقراني و حتى من حقي في مراجعة دروسي في ظروف عادية كباقي الأطفال في مثل سني . لذلك كنت أختبئ وراء منصب القبطان تهربا من أي شيء له صلة بالبيع و الشراء . بالرغم من كون والدي حاول مرارا إقناعي بأن جميع المهن تقوم على أساس مبدأ البيع و الشراء، إلا أن عنادي كان يدفعني إلى الرد عليه بأني مستعد لكي أجرب كقبطان، البيع و الشراء مع الأخطبوط و الأسماك و الحيتان في البحر إن اقتضى الحال ! 

بالرغم من كوني كنت أُكن للتجارة ما يُكنه الفأر للقط، إلا أن الشيء الوحيد الذي أعشقه في التجارة، هو مجالسة مساعد والدي . كنت ألتصق به كالعلكة العنيدة و أتوسله لكي يحكي لي إحدى طرائفه أو يضحكني بنكتة من العيار الثقيل و التي تدخل عادة في حكم : ( باستشارة الوالدين ) ! كان والدي يوبخني في كل مرة يراني فيها مع مساعده، ربما لأنه يخشى أن ينحرف سلوكي أو لساني و أنا برفقته . و لا زلت أذكر يوم زل لسانس و خانني قاموسي اللغوي و تفوهت بعبارة من قبيل العبارات التي يطلقها أحد اللاعبين حين يضيع ضربة الجزاء، لتشفع لي تلك العبارة بأن أقضي بعض السويعات بالعلية جنبا إلى جنب مع مساحيق التصبين التي تسبب لي الحساسية في الأنف .

حتى في أيام العطل الدراسية كنت كلما أغضبت والدتي وأشق عصا الطاعة بالبيت، ترسلني إلى المنفى، أي إلى متجر والدي . وهناك لا عزاء لي سوى مساعد والدي بالرغم من كونه لا يحبني كثيرا لأني أوشي به دائما و أفضحه أمام والدي عندما يختلس قطع الحلوى كي يهديها إلى صديقته . كان مساعد والدي يقول بأني ناكر للجميل كلما ضبطه متلبسا يحشو جيوبه بالحلوى أو ما شابه، فبالرغم من كونه يهددني بأنه سيقطع لساني إن كشفت أمره لوالدي، إلا أنه كان طيبا و يقتسم معي الغنائم  ! الكارثة أني لا أجيد طمر معالم الجريمة عكس مساعد والدي الذي له سوابق في ذلك، فما إن تظهر بحوزتي القرائن و الدلائل، حتى أجد نفسي مضطرا لتقديم تفسير مقنع لوالدي وإلا سأقضي ما تبقى من سحابة يومي بالعلية . أما الرأس المدبر فيكون نكاله عبارة عن صفعة أو اثنتان تفقده توازنه و ينتهي الأمر، هذا إن لم يكن مصيره ( برَّا البطيخة ) كما يقول المصريون .

وكم من مساعد قطعت رزقه بسبب قلة حنكتي في إخفاء معالم الجريمة، لذلك كان أغلبيتهم عندما يشمون رائحة دنو و اقتراب أجل خدمتهم مع والدي، يقومون بتصفية حساباتهم معي بطريقتهم الخاصة، كأن يسقطوا على رأسي شيئا ثقيلا من أعلى السلم أو يطفئوا علي النور و أنا في العلية قصد إخافتي …

قليلون هم التجار الذين يعون مسألة تعليم و تكوين أبنائهم خارج إطار مفهوم الإعالة المعنوية عبر تمهيد المهام و المسؤوليات تدريجيا قصد تجنيد أبنائهم للمستقبل، دون أي اعتبار للحساسيات التي قد تنجم وراء هذا الحيف الممارس على فلذات أكبادهم وعلى حساب احتياجاتهم . و عندما أتحدث هنا عن التجارة، فالعبرة بعموم لفظها لا بسبب بخصوص سببها . فما أكثر الآباء الذين بسبب سوء تدبيرهم و بسبب أنانيتهم يرغمون أبنائهم على الالتحاق بهم سواء في الأوراش أو في المتاجر و غيرها ولا يراعون في ذلك لا حاضرهم الذي يجب تأمينه لهم عبر ضمان احتياجات طفولتهم، ولا حتى مستقبلهم فيما كان أطفالهم راضين حقا عن خدمة الزبناء في متاجر ذويهم وهم في ذاك السن، أو تعريض صحتهم و حياتهم إلى الأخطار التي قد تنجم بسبب حوادث الشغل في أوراش العمل، أم هم مجرد ضحايا دفعوا ضريبة أنانية و تسلط ذويهم .

لا أظن بأن هناك طفل في العالم غصبت طفولته و سعادته و حرم من حق التعليم على حساب أب جشع مستبد لم يقدر على تجنب طفله خطأ تشغيله عوض تشغيل يد كفئة، على أنه سيفكر ذات يوم في إدارة مقاولة والده عن طيب خاطر . سيضل يكره صوت تلك المفاتيح التي يصدرها والده عندما يلج المنزل كل مساء . تلك المفاتيح التي سيجدها يوما في راحة يده و والده يلفظ الشهادتان . سيكبر ذاك الطفل يوما محكوما عليه بالعقوق لأنه لم يمتثل يوما لأنانية والده . فبين أخطاء الآباء و أنانيتهم و بين عناد الأبناء و تشبتهم بمبدأ إثبات ذواتهم، هناك حلقة مفقودة أو بالأحرى يريد أحد الطرفين أن يجعلها كذلك . إنه صراع الأجيال … يتبع     

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

6 تعليق على “مع وقف التنفيذ ( الجزء الأول )”

  1. سررت بالمرورهنا واستمتعت بقراءة هذه الشذرات الممتعة من

    طفولة بلقاسم,وهذا الاسلوب المبدع في السرد.

    سلم قلمك وسنة سعيدة

    تحياتي الخالصة

  2. ألن تكف قليلا عن هذا الشغب !! ؟؟
    فقد أصبحت أخشى دخول مدونتك عندما تصلني رسائلك على هاتفي تبلغني عن جديد يتخبط بمدونة بلقاسم ،، عفوا الرايس بلقاسم !!
    أجيب بأن كلما أتتني الفرصة سأزور خربشاتك التي بفضلها ذقت حلاوة الإدمان !!
    لأرى نفسي وقد رميت بمحفظتي على أول سرير أصادفه فأبدأ في فك طلاسم إبداعات هذا الشقي !!
    كنا قد تحدثنا في ما مضى عن كرهك للتجارة …مبررا ذلك بأنك تسعى و تطمح إلى شيء آخر …
    أهنئك على اختيارك ،، فلا تعش داخل جلباب أبيك !!
    كن كما عاهدتك دوما ،، شهما بشخصية مستقلة …
    أنانية والدك ما هي إلا خلاصة فكر زمن غابر ،، و له الحق في ذلك لكن ليس على سعادة ابنه البار …!
    كل الآباء هم كذلك يفكرون بمنطق مغاير تماما لفكر فلذات أكبادهم … و المشكل كامن في الجيل ،، فكلما واجهت أمي بأنها من جيل وأنا من آخر ،، تجيبني أنها لم تعلم يوما أنها عاشت مع الديناصورات !!
    عمي أحمد محتاج إلى عملية إقناع بسيطة ،، و أنا أعلم أنه لن يبني أحلامه على حساب كوابيس من كان محبا لأفلام الرعب !! أجل ألم تقل عن شيء كان بموافقة الوالدين ؟؟
    نعم ،، نعم غبية !!
    فقد قدمت استقالتي في مهمة قراءة ما خلف السطور ،، لكن حتما سأتجاهل هذه القضية لأني سأجني النرفزة فقط !!
    قل لمساعد أبيك أن يقدم بطولة فلم ما ما دامت نكته من العيار الثقيل !!

  3. العزيز بلقاسم

    هي تجربة مررنا منها جميعا ولا زلنا نتذكر فصولها

    هي تجربة رغم قساوتها علينا بالنظر لسننا آنذاك إلا أنها علمتنا بالفعل وكانت تجربة حياة إن صح التعبير

    أيها الأخ العزيز

    فيما يخص الجزء الخاص بك في هذه التجربة فيتضح منه أنك كنت مشاغبا منذ صغرك بالنظر لتصرفاتك مع كل مساعد لوالدك …..هههههه أمزح فقط فتقبل مزاحي

    دام لك الحضور والتجلي

  4. مرحبا صديقي بلقاسم

    أنت مشاغب حقا كما تسميك كوثر…عندما قرأت ادراجك بدأت أضحك

    عزيزي حتي ولو لم تستطع تحقيق حلمك الكاذب بأن تصبح قبطانا فأنت

    كذلك رغم كل شيء…أنت قبطان تبحر في غمار الكلمات و الحروف وتجوب

    بحار الابداع والأدب…كنت رائعا كعادتك…

    تحياتي

  5. اضن انك مررت بتجربة مفيدة .فانا ايضا لدي اخ يزاول مهنة التجارة. لقد كتبت باسلوب واقعي وجميا اتمنى ان نرى يوما كتاباتك على رفوف المكتبات .وتخلف لنا الراحل اخمد بوزفور.مع تحياتي

  6. بلقاسم إسم ساحر، فيه رائحة الأجداد ..أفهم من صفة ” ساحر” كل ما يخرج عن دوائر العقل المقيتة، كل ما يشعر به القلب و لا يدركه العقل..قرات مكتوبك عابرا، و لم أستطع ان اخط حرفا..ذكرتني بصديق والدي التاجر..البقال على فكرة..تكتب بلغة مباشرة و جميلة في آن ..تنظر إلى ماضيك من بعيد دون ان تجتره ..تعلم؟ عندنا في المغرب، يكتب أدباؤنا عن آبائهم بلغة لا أدب فيها - لكي لا أقول أكثر - و يحسب الشباب أن طريق النجومية يمر حتما عبر نشر غسيل الآباء على الناس ..

    أبي العامل/من العمل اليدوي طبعا/ كان يقول لصديقه التاجر/ البقال/ رحمه الله : ولدي سيصير طبيبا ..كانت مهنة الطب عنده قمة القمم ..لكنني صرت شيئا آخر …لم يكن مهما عندي ان احقق امنيته بقدر ما اجهدت الروح و القلب و الاعصاب لأقرأ في عينيه فخره بي …و رغم كل شيء هو اليوم فخووور بي …و بعد فخره، لا ارجو من متاع الدنيا شيئا …

    ادع لك ان تربط بين خيوط كل ما كتبت ..



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر