حتى لا ننسى
كتبهابلقاسم يازيدي ، في 15 ديسمبر 2007 الساعة: 17:11 م
عندما اندلعت الشرارة الأولى لانتفاضة الأقصى مطلع هده الألفية، كنا حينها تلاميذ بالمرحلة الإعدادية ولم نكن نفقه كثيرا ما يجري بتلك البقاع المقدسة، اللهم ما كنا نراه ونسمعه في وسائل الإعلام من مظاهر الزحف العنيف للآلة الإسرائيلية وهي تحصد في أرواح الشهداء الفلسطينيين . و في ظل تلك الأحداث التي هزت الكيان العربي، أخذت الإعدادية التي كنت أدرس بها و على غرار عدة مؤسسات تعليمية أخرى، على عاتقها تنظيم وقفات تضامنية مع الشعب الفلسطيني للتنديد و استنكار ما يحاك ضد استقرار الأوضاع الفلسطينية .
كانت إدارة المؤسسة تسمح لنا نحن التلاميذ بربع ساعة كحد أقصى لإفراغ ما بجعبتنا من بوادر المآزرة و التضامن مع أطفال الحجارة و مع آبائهم و ذويهم الصامدين . كنا نحمل العلم الفلسطيني و نطوف به أرجاء الإعدادية و نردد شعارات و عبارات نساند بها معنويا ذاك الشعب الصبور في وقفات سلمية تحولت بعد أن فقد مدير الإعدادية ومعه حراسه العامون السيطرة علينا، إلى مظاهرات خارج المؤسسة لتتلاقى وفود مؤسسات تعليمية مجاورة في ما يشبه مسيرة حقيقية .
طبعا لم تكن ثورتنا الحماسية ( سكر زيادة )، تحمل في طياتها مشاعر كلها خالصة تعبر عن التعاطف مع القضية الفلسطينية، فالأغلبية الساحقة استغلت الفرصة لخلق البلبلة بداخل المؤسسات التعليمية قصد التهرب من الحصص الدراسية و من الامتحانات . صحيح أننا لم نكن ساعتها نعرف شيئا أمام تلك الدروس الاستثنائية و الاضطرارية التي تلقيناها للتقرب أكثر من القضية الفلسطينية التي أكد لنا أساتذتنا بأنها ليست قضية شعب بقدر ما هي قضية أمة، لكننا تأثرنا بذاك الطفل الذي استشهد في حضن والده . تأثرنا كثيرا و نحن نرى أحمد الذرة يصارع سكرات الموت بمعية والده ولم ننتظر الإشارة للتعبير عما يخالجنا، فقمنا ساخطين على السياسة الصهيونية وكنا نردد : " يا شارون يا جبان، يا قتال الصبيان " كنا نرددها بإخلاص نابع من حسنا القومي الطري .
لم نكن نفهم ماذا كان يعني أساتذتنا بالجامعة العربية و لا حتى بخارطة الطريق وغيرها من العبارات التي أفرزها قاموس القضية الفلسطينية، لكننا عبرنا عن تضامننا . كل و كيف عبر بطريقته الخاصة، رسمنا أحمد الذرة و هو يلفظ أنفاسه الأخيرة و دماء الشهادة تنزف منه، رسمناه و ألصقنا لوحاتنا البسيطة على جدران أقسامنا، كتبنا شعرا و علقناه على المجلة الحائطية … أريال شارون الذي سمعت أحدهم يقول بأنه فقد خصيته عندما كان في صفوف الجيش الإسرائيلي في إحدى الحروب و الله أعلم !
الطامة الكبرى أن أريال شارون هذا المتعطش لدماء العرب، فعل كل هذا بالفلسطينيين و هو شبه مخصي، فوحده الله من يعلم ماذا كان سيحصل لو كان سعادة الرئيس طبيعيا ! و أنا لم أفهم بعد لما لم تتحرك فؤوس العرب للتنقيب عن خصية شارون التاريخية في ساحة الوغى لتحنيطها و وضعها في إحدى المتاحف العربية . ربما ستكون تلك بادرة طيبة للنيل من فحولة شارون و رجولته و إمعانا في السخرية من رئيس دولة بخصية يتيمة، هذا طبعا إن تم التأكد من مصداقية الخبر وثبوت الرؤية، أقصد رؤية الخصية طبعا !!!
لقد ضل المغاربة متلاحمين مع القضية الفلسطينية و ساندوا إخوانهم الفلسطينيين في عدة مناسبات، باعتبار القضية الفلسطينية قضية أمة و تندرج ضمن وحدة المصير المشترك . و لعل تلك الوقفات التي تنازل فيها المغاربة عن مطالبهم و بتحسين أوضاعهم في سبيل نصرة القضية الفلسطينية في أعياد الشغل، أكبر دليل على هذا التلاحم . هذا دون أن ننسى المساندة المادية لبيت مال القدس و أيضا تلك المبادرات التي يذهب ريعها مباشرة إلى تلك البقاع المقدسة … إننا اليوم و الكل يتخبط في دوامة الأنا، أحوج ما نكون إلى هذا التلاحم و الاتحاد عوض المساندة النقدية من تحت الظل . وإن كنا يوما قد خرجنا على شكل مسيرات للتنديد بما يحصل في فلسطين من مظاهر العدوان الهمجي و التقتيل، فعلينا أن نبقى كذلك و لو بتكليف أنفسنا التفكير في تلك الأراضي التي تشبعت بدماء الشهداء و دموع الأرامل فذلك أضعف الإيمان .
القضية الفلسطينية حتى لا ننسى هي قضيتنا نحن العرب،و إلا لما نورط أنفسنا بعقد المؤتمرات و تأسيس اللجن . الكل يتحمل مسؤولية معانقة الحلم العربي حتى ينعم بالسلم و السلام، و لأجل ذلك على الجميع تعبئة الجهود من القادة إلى رعاياهم حتى يصبح الحلم حقيقة . في كل مرة تمرغ فيها كرامة العرب في التراب و تهيج مشاعرهم القومية عبر العدوان الصهيوني على فلسطين أو على إحدى الدول العربية المستضعفة، إلا و تجندت أقلام و عدسات الصحافة وسارت معها حشود المواطنين في الشوارع تضامنا مع الحدث . أكيد أن هذا عين العقل و الصواب، لكن مشكلتنا تكمن مباشرة بعد هذه المظاهر التضامنية وبعد أن تضع العاصفة نسبيا و مؤقتا أوزارها في بؤر التوتر العربية، إذ سرعان ما ترتخي أوتار التضامن و تعود المياه إلى مجاريها و كأن الأمر مجرد نزوة قومية عابرة .
يحدث هذا معنا لأننا نعيش فراغا واضحا على مستوى قوميتنا و وحدة مصيرنا المشترك . و لو أننا تشبعنا بمبادئ التآخي و رضعناها في الألبان ونشأنا على التشبث بقضايانا العربية، لما شعر بعض العرب يوما بأنهم مجرد لاجئين في عقر أراضيهم . و ما دام العرب اتفقوا على ألا يتفقوا كما يقال، وما داموا متنافرين كأقطاب المغناطيس، فهم لا يزالون بعيدين عن تحقيق الهدف المنشود و تسوية أوضاعهم العالقة .
عندما تكلم شكيب أرسلان عن دواعي تأخر العرب و نهضة غيرهم، ذكر هذا الشقاق و التنافر الذي لزم الجسد العربي منذ القدم، ليتقدم العجم على العرب على حساب انحطاطهم و خمولهم وتفريطهم في تعاليم دينهم السمحة . لما كان العرب في عز مجدهم و كانت بحوزتهم مقاليد أسباب الرقي و كانوا ساعتها في غنى عن التودد إلى الآخرين لأنهم شكلوا احتياطا في شتى التخصصات و الميادين . و بين الأمس و اليوم تنتصب عاقبة تنازل السلف عن مجدهم مقابل أشلاء حضارية غربية مغرية، ليدفع الخلف ضريبة هذا التنازل و الانحطاط . البيت القصيد من جدلية الأمس و اليوم يتجلى أساسا في كبوة أو التحالف العربي المتصدع و السيادة العربية النامية .
أمامنا اليوم إحدى وجوه الشقاق القومي الذي يجسده الوضع الآني للأقصى، و الظاهر أننا لم نعد نتأثر كثيرا عند سماعنا لأنباء أشقائنا في الأقصى و ببلاد الرافدين و هم يسقطون تباعا تحت رحمة القصف الصهيوني السافر و التعسفات الممارسة في حقهم من قتل و تشريد و انتهاك للأعراض …لم تعد فرائص قوميتنا العربية ترتعد غضبا أمام أحداث تمس عروبتنا و ديننا، لأننا ربما تعبنا أو سئمنا من حال المآل و وجدنا في التهرب وصفة و مخدرا ينسينا إلحاح الواقع القومي المر .
إننا نساهم في تهربنا هذا و إدبار الظهور أمام مسؤولية قضايانا ( المشتركة )، في دعم و تمويل المشروع الصهيوني في إرساء كيانه المرتزق بالأراضي الفلسطينية المحتلة . الورقة الرابحة التي تلعبها إسرائيل و حلفائها في طاولة القضية الفلسطينية، هي تلك الورقة التي تتكلم بلسان العرب الذي شغلته أولى تحديات العصر و المنافسة الاقتصادية، عن قضاياهم و وحدة مصيرهم المشترك،هذا مع تكرارهم لعادة إسناد المسؤوليات إلى بعضهم البعض، دون أن ننسى الشرود العربي و أحيانا الصمت و الجمود الذي يصعب تأويله بين التردد و بين الحزم الهادئ . فوحدها الكلمة العربية الموحدة من ستبطل مفعول تلك الورقة الرابحة التي يشهرها الغزاة في وجوهنا . و وحده الموقف العربي المدعم بخرسانة القومية، كفيل لردع هذا الصراع الذي نريد أن نفند أولائك الذين يزعمون بأنه صراع أزلي، لأننا نؤمن بانتصار الحق على الباطل عاجلا أم آجلا .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج















مواقع وروابط مختارة 























ديسمبر 15th, 2007 at 15 ديسمبر 2007 6:28 م
عاد من جديد ذلك الكاتب الثائر الذي يخفي خلفه إنسانا مفعما بالأحاسيس …
رائع هو قلمك …
ابداع يلامس السحاب
كلمات راائعة ومعبــرة
ابدعـــت بنـــزف قلمك
استمر ولاتحرمنا من جمال حرفـــك
تحيتي وتقديري لك سيـــدي ..
ديسمبر 15th, 2007 at 15 ديسمبر 2007 6:30 م
العزيز بلقاسم يازيدي
أعتقد أخي الكريم أنه من الصعب جدا التحرك بفعالية أقول بفعالية لأن كل التحركات الحالية في هذا الإتجاه تنقصها الفعالية إذ لا يكفي عقد مؤتمرات يخرج منها قاداتنا الذين يغيب نصفهم عن حضورها بعبارات التنديد والإستنكار المصحوبة بالقهقهات التي لا أرى لها داعيا في عز الأزمة
تحدثت أخي الكريم عن تعبئة الجهود من القادة إلى رعاياهم بالنسبة للرعايا أنت تعرف أنهم يتحركون في ظل الهامش المسموح لهم به يعني أنهم لا يملكون حرية التحرك بقوة
أما بالنسبة للقادة أنت تعرف أكثر مني أن ماماهم امريكا ستسخط عنهم إن هم أغضبوا عشيقتها الأبدية إسرائيل وهنا أحيلك على قصيدة مشهورة لأحمد مطر يخاطب فيها هؤلاء القادة ومن أبياتها
دونكم هذه الفضائيات فاستوفوا بها غادر وعاد
وبوسوا بعضكم وارتشفوا قالا وقيلا
واتركوا القدس لمولاها فما أعظم بلواها
إذا فرت من الباغي لكي تلقى الوكيلا
موضوعك قيم أخي الكريم وأكيد كلنا نشارك أمتنا همومها وقضاياها
دام لك الحضور والإشراق والتجلي
ديسمبر 15th, 2007 at 15 ديسمبر 2007 10:49 م
صديقي العزيز بلقاسم
ربما مايطمئن قليلا بخصوص هذا الموضوع هو أننا أمة لا تنسى…فرغم مرور قرون
كل ضغط يولد انفجار). والانفجار آت عما قريب
على ازدهارنا الحضاري لا زلنا نتذكر تلك الأيام …أيام كنا نصول ونجول فيها ….
أيام كان فيها من يحكموننا يسيرون الجيوش الجرارة أولها على أبواب بيزنطة وآخرها
في بغداد حينما يتعرض أحد من المسلمين للأذى …أما اليوم فان الحثالة اللذين
يحكموننا القابعين فوق كراسيهم الوثيرة حتى لو رأو زوجاتهم في أحضان غيرهم
فانهم لا يأبهون…لأنهم ببساطة لم يفقدوا خصاهم فقط بل فقدوا كل مايربطهم
بالرجولة والفحولة…شارون ياصديقي بالمقارنة مع هؤلاء سيد الرجال ذبح وقتل فيهم
وهم ينظرون بدون أدنى حراك وكان آخر ضحاياه الشهيد ياسر عرفات الذي دفعه هؤلاء
الحثالة وجروه الى طريق المفاوضات ثم من بعد قاطعوه وتركوه يغتال أمام أنظار العالم
ببساطة لأنه لم يستطع أن يتنازل لهم عن ما لا يملك التنازل عنه…
هؤلاء الحثالة ياصديقي هم من ينسون لأنهم فضلوا مصالحهم الآنية على مصلحة
شعوبهم وفرطوا في كل شيء..
أما الشعوب الحرة فهي لا تنسى ولن تنسى قضيتها الأولى لأنها ببساطة قضية
وجود …وقوانين الفيزياء تقول
وسيطيح بكل متخاذل جبان وبكل معتد حاقد حينها سيعرف العالم أننا أمة لا تنسى
صديقي بلقاسم حقا موضوع ممتاز أتمنى لك دوام التوفيق
الى لقاء قريب
ديسمبر 16th, 2007 at 16 ديسمبر 2007 5:19 م
اخي محمد احس بنبل اخلا قك اتجاه الفلسطينين .لكن الا ترى ان القضية الفلسطينية بدات تفقد قوتها .وخير متال على دالك مايحدت في غزة اتمنى ان تزوىر مدونتي لاني اود التعرف عليك lagnaouiotmane.maktoobblog.com
ديسمبر 16th, 2007 at 16 ديسمبر 2007 9:19 م
عزيزي بلقاسم مرحبا
شكرا جزيلا لهذا الاطراء هذه السطور كتبت من مدة ليست بالقصيرة وقد
ترددت في نشرها خوفا من أن لا تعجب القراء…
أنا سعيد لأنها أعجبتك وأفتخر برأيك الذي أعتبره وساما على صدري
شكرا أخي مرة أخرى والى الملتقى
المخلص دائما محمد
ديسمبر 18th, 2007 at 18 ديسمبر 2007 9:46 م
عيد مبارك سعيد
تقبل الله منا ومنكم
وكل عام وأنتم بألف ألف خير
تحيتي ومودتي
ديسمبر 18th, 2007 at 18 ديسمبر 2007 10:35 م
مقالك رائع جدا أخي بلقاسم
عيدك سعيد
وكل عام وأنت بخير