تحت اللسان  : عندما تموت المعاني وتتحجر المبادئ .. عندما يطالنا حيف القمع وتدنس حرمة حق التعبير بكي أفواهنا .. عندما تبح أصواتنا في محيط مرغت فيه فلسفة الجمال في وحل الدونية والتصنع .. عندما تنطلق الفلسفة من الارتياب وتطغى جدلية الحقيقة التي تنكسها ستائر الأكاذيب معلنة الحداد، لتنتصب أخيرا أربعينية البحث عن الحقيقة وترفع أعلام الحياة تحت ذوي شعار : و تستمر الحياة ...

مدونة تحت اللـسـان صرخة ثائرة بلسان شباب مغربي عاقل .. ناضج .. مسؤول ووطني حتى النخاع ... أسلوبي ربما شعبي .. ربما ساخر .. ربما جريء ( سكر زيادة ) ربما أسلوب ثَمل أحيانا ترشه مياه الصحوة العاقلة من لدن القراء الذين احتسوا قبلي من قدح البحث عن قنديل الحقيقة والتغيير، ليدور علي دور حياكة خيوط ملَكة الكتابة التي أتمنى أن تكون نتاج لنسيج على المقاس .. وهذا قلمي... !!!

بلقاسم يازيدي

 


مجرد سؤم

كتبهابلقاسم يازيدي ، في 10 ديسمبر 2007 الساعة: 11:49 ص

سأكون أفضل بكثير هناك عوض المكوث في مدينة قالوا إنها عاصمة المغرب .

هناك فقط أشعر و كأني ولدت من جديد .. قوة ما تجذبني دوما إلى تلك الأرض التي و ثقت شهادة ميلادي .

إنها قوة المغناطيس .. مغناطيس الأصل و مسقط الرأس .

هناك .. في تلك المروج و الهضاب و السهول حيث تعلمنا أولى مبادئ صيانة الأرض .. إنها أسطورة الأرض .

في تلك البقاع التي أرخت لكبريات نزاعات و حروب الأراضي .. تلك الأراضي التي يشقها المحراث فتنبعث رائحة دماء أجدادنا في سبيل حفنة من التراب .

سأزيد من صبري الذي دام عامين على آخر مرة ارتميت فيها في حضن تافراوت .

إنك يا غزالة سوس، كما تسميك كتب التاريخ، الوحيدة التي تفك عزلتي عن غربتي المحلية التي تقض مضجعي وأنا هنا في مدينة لم تعد رئتاي قادرتان على تحمل المزيد من تقلبات جوها الكئيب .. من تناقضات الحضارة .. وأية حضارة ؟ !

أسبوع في تلك الجنة الفيحاء كفيل لأسترد عافيتي و نشاطي بعد أن نخر جسدي وباء السؤم .

أكيد سأضعف من جديد أمام أدوات الذكرى تلك .. ذاك الكرسي المتحرك .. ذاك السرير .. و ذاك الجبل اللعين، لكن سينتهي عهد الشعور بالذنب عندما أقف على قبر جدتي لأول مرة و أترحم على روحها و لأسئلها أن تغفر لي لأني تركتها مرغما و هي تحتضر .. لم أقل لها حتى وداعا لكي لا .. يا لسخرية القدر !

سأكون بخير هناك بالرغم من كل هذا لأني سئمت روتين المدينة …

سئمت الاستيقاظ متأخرا وأن أخرج بدون إفطار و أن أتسلل السلالم حتى لا تراني والدتي لكي لا أقلقها على معدتي التي ألفت رحاها أن تدور على الفراغ .

مللت من حلاقة ذقني مرة أو مرتان في الأسبوع بحسب حالتي النفسية المتقلبة .

تعبت من تكرار كل تلك المشاهد التي أصادفها و أنا في طريقي إلى أسباب مستقبلي .. تلك المرأة العجوز التي تدعو لي بالتوفيق كل صباح بدون مقابل .. من أولائك الذين يعرضون عاهاتهم على أناس لا يجيدون ثقافة التضامن و الرأفة .

ضقت ذرعا ببعض شبابنا القليلي الحياء الذين يتحرشون ببنات الناس صباح مساء .. سئمت من جرأتهم المفرطة وهم يهمسون لهن في آذانهن بعبارات سوقية أسمعها بوضوح .. مللت من وقاحة بعضهم عندما يقطعون الطريق على بعضهن .. عندما يمسكون غصبا بذراع إحدى ضحاياهم …

سئمت من تلك الابتسامة التي أراها صادرة من بعض المراهقات وهن ينجرفن إلى التيار .. وهم يستجبن إلى نداءات من يتحرش بهن جنسيا .. وهن يفترشن مساحات خضراء مع رفقاء السوء و الكل يدخن النرجيلة .. وا أسفاه !

سئمت من قراءة عناوين الجرائد البارزة على الرصيف قبل أن أجسدها على أرض الواقع .. أقرأ أخبار البطالة قبل أن أرى كيف يهان العلم في عاصمة دولة البطالة .. كيف يسقط الدكاترة و المجازون تحت رحمة ركلات أصحاب البذلة الخضراء .

سئمت تلك الوجوه التي تظهر على الجرائد .. تلك الوجوه الرائدة في الكذب و النفاق و الخداع …

سئمت ضحايا الموت البطيء وهم يقطعون علينا الطريق بشفرات الحلاقة .. و هم يستنشقون تلك المادة التي تجردهم من رزانتهم .. و هم يقتاتون على تلك الحبوب المهلوسة التي تدمر خلايا إنسانيتهم …

سئمت من تلك الظروف التي تتكلم بلسان ضحايا الموت البطيئ عندما تقول : يا ليتنا لم نولد !

سئمت من مجادلة تلك الكاتبة التي لا تراعي ظروف تغيبي .. سئمت بدوري من كتابة سيناريو الأعذار لأضعه على مكتبها .

سئمت من لعب دور الفكاهي و أنا أحوج الناس إلى مقعد في المسرح لأرى مشهدا مضحكا في مسرحية هزلية إسمها الحياة .

مللت الخوض في الحديث مع أناس يعتبرونك رجعيا لأنك أصيل المبادئ .

سئمت من خيانات الأصحاب و طعناتهم .. من وضع أوراق التين على عورات المتهورين و المتسرعين منهم .

سئمت المشاركة في مؤامرات الصمت لكي لا أخرب بيوت بعضهم قبل أن ينقلب علي النظام و أكون بدوري الضحية .

سئمت التضحية في سبيل الآخرين مقابل راحتي و مصيري .

سئمت التردد نهاية كل أسبوع على شاطئ البحر لأرى الشمس تغرق وقت الغروب في الأفق وقد أتت مياه المد و الجزر على تلك القصور الرملية التي شيدتها أنامل الأطفال .. تلك القلوب التي تخترقها نبال الحب و التي يرسمها العشاق على رمال الشاطئ .

سئمت من ترتيب أفكاري بذاكرتي المشردة خلال النهار لأعود بها في المساء على الورق .. من نبش أرشيف قصائد لم يكتب لها أن ترى النور حتى الآن .

و إني كما قال زهير بن أبي سلمى :

              سئمت تكاليف الحياة و من يعش     ثمانين حولا لا أبالك يسئم      

إنه مجرد سؤم و سرعان ما ستنقضي عدته !!!

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

6 تعليق على “مجرد سؤم”

  1. السلام عليكم

    قد تفيدكم مدونتي إذا زرتموها

    وإذا زرتموها لا تنسوا ان تتركوا معلما

    مع التحية لكم

  2. العزيز بلقاسم يازيدي

    أحس أخي الكريم وكأني أشاركك هذا السؤم

    أنا أيضا سئمت من كل ما ذكرت وكلمة واحدة في إدراجك القيم هذا هي دواء السؤم

    إنها تافراوت أخي الكريم

    وكأنك تقرأ أفكاري سأزورها لأشفى أيضا من سؤمي أتمنى أن نلتقي هناك

    دام لك الحضور والتجلي

  3. مرحبا أخي بلقاسم

    شكرا لك أخي العزيز على الاطراء . أعتبر أن هذا واجبي تجاه اخواني وأخواتي

    المدونون …وقد ساءني أن أرى البعض يتاجر بأحلام شبابنا وأحزانهم …

    شكرا مرة أخرى أخي العزيز

    أما بخصوص هذا الادراج ماذا عساني أقول…هل يكفي أن أقول هذا رائع…أكيد

    لا…وقد وجدتني أكبح جماح دمعة تريد الانهمار حين تحدثت عن جدتك وكيف تركتها

    مضطرا وهي تحتضر…وذكرتني بحكاتي أنا وجدتي وهي نفس الحكاية…فذات يوم

    رن هاتفي اللعين ليخبرني المتحدث بصوت متحشرج ( جدتي تحتضر أخبر أمك وتعالوا بسرعة…) أخبرت العائلة ولم أذهب معهم… لأنني كنت في العمل وصاحب العمل لم

    يكن موجودا لآخذ اذنه…ما أقبحه من عذر…غير أن ما يدمي قلبي ويجعلني أتفطر حزنا

    وندما هو علمي أنها سألت عني قبل أن تسلم الروح الى بارئها….بالله عليك يا أخي

    هل رأيت أحقر وأتعس مني…الى اليوم لا أستطيع أن أتطلع الى صورتها الا وتجتاحني

    نوبة بكاء حارق…آه…ماأحقر وأتعس هذه الدنيا …فهي لا تستحق ما نقدم من تنازلات

    من أجلها…

    اعذرني أخي ربما استغرقت ونسيت نفسي…لكني أشعر بتحسن عندما أبوح بما

    في صدري وأرجو أن يتسع صدرك وتتحملني هذه المرة…

    شكرا لك أخي الغالي من كل أعماقي قلبي

    ومع خالص تحياتي ومودتي

  4. سئمت المرور دون ترك أثـــــــري !!
    لكنه مجرد سأم و سرعان ما تنقضي عدتـــــــه !
    فها قد انقضت عدته ،، و ها قد قررت أن أترك تعليقي رغم أن قيود الحياة لا ترحمني في هذه الأسابيع الأخيرة ،،
    إبداعك هذا ينم عن روحك الطيبة …فاستمر جزاك الله ألف خير ..
    ” سئمت من مجادلة تلك الكاتبة التي لا تراعي ظروف تغيبي .. سئمت بدوري من كتابة سيناريو الأعذار لأضعه على مكتبها ” من تقصد ؟ قلت لي أنك بحاجة إلى كاتبة جديدة بعدما قدمت “السعدية” استقالتها ؟ أم أن هناك شخصا آخر تحاول محاورته بطريقة غير مباشرة ،، ؟؟ لم أخبرك أني تخلصت من زاد الغباء و أصبحت لشفرات الخواطر من المحللات …! فقد خمنت من تكون هاته الكاتبة الغبية ، أقصد الذكية !!
    لي تصحيح أو بالأحرى ملاحظة ،، حيث أنه يوجد خطأ في العنوان : “سؤم ” لا أظنها كلمة صحيحة فحسب معلوماتي الأنجع أن نقول ” سأم” بمعنى الضجر و الملل ،، لقد راجعت منجد مكتبتي و بحثت عن الكلمة و وجدت أن ” السأم” هي الواردة .
    و لكم واسع النظر …
    تقبل تحياتي
    إلى الملتقى

  5. تحية للجميع

    اللجنة التحصيرية لتجمع المدونين المغاربة تنتظر مساهمة الجميع من خلال إبداء الملاحظات والمقترحات قبل اللقاء الواقعي لهل خلال نهاية الاسبوع بمراكش.

    عبد الوهام سمكان

    رؤى ثقافية

    مقرر اللجنة التحضيرية

  6. شكرا عزيزي بلقاسم

    طبعا أنا أتفهم ظروفك صديقي ولا بأس عليك أما بخصوص هذه

    المبادرة المتواضعة فهي أقل واجب…يجب أن نقف جميعا ضد

    هذا العنف الأعمى الذي يضرب كل يوم في بلد ولا يصيب الا الأبرياء

    والضعفاء….

    شكرا أخي والى لقاء قريب



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر