الخاسر الأكبر
كتبهابلقاسم يازيدي ، في 20 أكتوبر 2007 الساعة: 20:10 م
اتضح أخير ا أن ربط مفهوم السياسة باللعبة لم يكن نتاجا لآصرة اعتباطية أو حتى نعتا طائشا . فأمامنا اليوم نموذج حي للعبة اسمها السياسة، لعبة لا يمارسها إلى علية القوم بينما يكتفي الآخرون من الطبقة الغير المؤهلة للمشاركة في هذه اللعبة، بالمشاهدة والتصفيق من بعيد . وحتى الذين يقفون على أطوار هذه اللعبة كحكام لزجر الغش، فلا حول لهم ولا قوة، اللهم ارتعاش فرائص أعضاءهم التعبيرية وصياحهم المبحوح في ظل صخب أجواء اللعبة وحربها الحامية الوطيس .
طبعا لابد لأي لعبة أن تستوفي شروط الامتياز حتى يتبين الطرف الفائز من الخاسر . وبعبارة جافة خالية من أدوات المجاز، يمكن القول بأن الفائز في اللعبة السياسية الراهنة، هو ذاك المرشح المشتبه في سيرته السياسية والذي بحوزته سوابق لا تؤهله لتمثيل تلك الأقلية الساحقة . أما الخارج من هذه اللعبة جارا وراءه أذيال الخيبة و الهزيمة، فليس سوى ذاك المواطن المتردد لولوج مكتب الاقتراع وليس سوى ذاك المواطن الذي صوت لأجل التغيير فقط .
الخاسر الأكبر إذن في لعبة سياسية اسمها الاستحقاق التشريعي، هو كل مواطن يشعر الآن بمرارة الهزيمة ويحس بالغبن ومواطنته المهزوزة وسذاجته السياسية وثقته العمياء في مشروع الإصلاح وأوراش التغيير عبر المؤسسات الحزبية . قبل بدية اللعبة بكثير، اقترح هذا الخاسر الأكبر تطعيم أرضية اللعبة لتفادي كل ما من شأنه أن يشوش على أجواء اللعبة وذلك عبر مصالحته أولا مع السياسة ومع رجالاتها في محاولة لرد الاعتبار وصون كرامة المصوت حتى لا ينعته المعجم السياسي بالعازف سياسيا أو بالعدمي و حتى لا يُرجم المصوَت لأجله بحجارة الوصولية والغدر والوعود الكاذبة …
كان من الطبيعي جدا أن نحصد في آخر المطاف على مثل هذه الغلة السياسية لأننا لم نؤثث كمعنيين بمصلحة هذا الوطن لأرضية سياسية مناسبة لغرض تجديد الثقة التي عززت التجارب السابقة فرضية الجفاء الكبير بين المواطن و الطبقة السياسية . ربما انتبه الذين استفادوا من التجارب الفارطة، أن مقاطعة الانتخابات هو بمثابة الثأر لكرامتهم . أما الذين يلدغون في كل مرة من نفس الجحر ويتشبثون بمبدأ تجديد الفرص والثقة، فهم الآن بعد إحساسهم بالذنب تيقنوا مسبقا بأن النتيجة لن تختلف كثيرا عن سابقاتها ولربما لن يندموا على تسرعهم بالنطق بذاك الحكم الذي يسري على جميع القنافذ ويتهمها بالإجماع بأن ليس فيها أملس . لولا نقطة الدم الوحيدة والمشبعة بالوطنية السارية في أوردة تلك الأقلية الساحقة، لشهد المغرب أكبر عزوف سياسي في التاريخ .
العزوف السياسي لا يبرره إلا فشل المؤسسات السياسية و عجزها عن مصالحة ذات البين عوض أن تبقى النخب في ضفة و الطبقة السياسية في ضفة أخرى ويفصل بين الضفتين واد كبير يجعل كلا الطرفين بعيد عن الآخر إلى أجل غير مسمى . لن يطيب الحديث عن توافق سياسي إلا بمؤاخاة المعتزلة السياسية مع أصحاب القرار بداخل كل مؤسسة حزبية سياسية . ونحن الآن لا نزال بعيدين كل البعد عن تلك المفاهيم المتداولة التي تشعرنا بالواجب و بالمسؤولية، لازلنا خارج التغطية السياسية و لا محل لنا من الإعراب ما دامت أصواتنا القليلة تلك، لم تشفع لنا لرؤية وجوه سمحة سياسيا غير التي ألفناها وغير التي تعاقبت علينا بالرغم من كل شيء وأي شيء . الخاسر الأكبر يشعر الآن بالإحباط وربما يؤنبه ضميره الوطني لأنه مهَّد الطريق عن غير نية القصد لبعض الأطراف التي لا يسمع لها حسيس ولا تنفع ولا تضر كحليب أنثى الحمار !
يحس الخاسر الأكبر في هذه اللعبة بفراغ ديمقراطي كبير لأنه عاجز عن تقرير مصيره بدون أية تبعات ومخاوف وعاجز عن صرف الضر عنه وعن وطنه في أية لحظة . لا مكان للديمقراطية ولا للمواطنة ولا حتى لمفهوم حق التعبير والاختيار، مادمنا لا نملك الحق لكي نعبر عن آراءنا بخصوص من سيستعيرون ألسنتنا ويطالبون بحقوقنا من داخل تلك القبة المقدسة سياسيا . ربما فات الأوان لندب خدودنا كالثكالى، فكل شيء تم واستوى ولكن أليست هنالك أشواط إضافية في هذه اللعبة، أم تراه هزمنا بالضربة القاضية ؟ سيكون من غير المنصف أن نستبق الأحداث وتحصيل النتائج، فلا شك أن وميض الأمل لازال يسطع في سماء مستقبل هذا البلاد، لذلك يتوجب على كل حاصل على مقعد برلماني وكل من تأبط حقيبة وزارية في هذه الكومة، أن يستوعب مضمون رسالة كل من الأغلبية الصامتة أو العدميين وكذا فحوى رسالة تلك الأقلية الساحقة التي صوتت لأجل التغيير فقط . على هؤلاء السادة الكرام أن يفكوا شفرة الوحدة الموضوعية لكلتا الرسالتين . وبما أنكم الآن في أوج المسؤوليات الجسام الملقاة على عاتقكم ولا وقت لديكم كي تعصروا القهوة لجمع أعصابكم المشتتة لحل المسألة، فسنقوم نحن بالواجب و سنفك نيابة عنكم شفرة الرسالتين على أساس أن تستوعبوا المضمون والمطلوب والمنتظر منك .
مضمون رسالة الأغلبية الصامتة أو المقاطعة للانتخابات، مضمون سهل جدا وبيدكم استيعاب المضمون إن أعطيتمونا آذانكم ليس لنجرها ولكن فقط لغرض الإنصات وأخذ العبرة . ما أقدم عليه كل قاطع رحم الانتخابات وكل متبرئ منها، هو بمثابة موقف صارم واقتناع شخصي بأن لا مناص من مقاطعة الانتخابات في ظل تعاقب نفس السيناريو الفاشل للمؤسسات الحزبية . لذلك فإن أصحاب الرسالة يكونون بموقفهم ذاك، قد قدموا درسا للأحزاب السياسية ولن تغير موقفها إلا حينما تغير الأحزاب سياستها الراهنة المحكوم عليها ببعض الفشل . أما عن فحوى رسالة تلك الأقلية الساحقة والنسبة المخجلة التي عبرت عن رأيها السياسي، فمضمونها واضح ولا غبار عليه . لم يكن الإقبال المتواضع لتلك الأقلية الساحقة على مكاتب الاقتراع، إلا إنذار أخير للأحزاب السياسية وكورقة أخيرة تلعبها هذه الأقلية في اللعبة السياسية تلك . لم يصوت هؤلاء لأجل الإصلاح أو ما شابه ذلك ولكن كان تصويتهم فقط لدعم فلسفة التغيير . لهذا يتحتم على الطبقة السياسية أن تحسب ألف حساب لتلك الورقة الأخيرة التي لعبتها تلك الأقلية وعليها أن تراعي حجم الخسارة السياسية التي تنتظرها إن خرجت بحصيلة هزيلة ولم تحرص على الوفاء بما أدت اليمين لأجله . كونوا كما أنتم بحقائبكم ولكن لا تنسوا أنكم أديتم اليمين لخدمة هذا البلد الأمين !
الآن ومع هذه الولادة العسيرة للمولود الحكومي، اتضح وبجلاء أن هذا المواطن ليس سوى نكرة وليس سوى مدعو إلى حفلة لا يعرف فيها أحد . الخاسر الأكبر ومعه الخارج عن التغطية السياسية، ضرب بعرض الحائط كل تلك المفاهيم التي تربطه بأهداب المصلحة العامة من ديمقراطية و روح المواطنة والتضحية وهو الآن قابع في قوقعته التي تجعله في منأى عن هذه الأحداث ليعيش عيشة ذاك البدوي المنعزل عن أسباب الحضارة . ما جدوى كل هذه الزوبعة السياسية وكل هذه الوجوه والانتخابات والكرنفالات الحزبية ؟ نتساءل عن جدوى تلك الدعوات الموجهة صوبنا للإدلاء بأصواتنا لتقرير المصير ؟؟؟ نحن الآن نترنح خارج حلبة اللعبة، لذلك لن نتكلم إلا بلغة بسيطة خارجة عن كل الإيديولوجيات المبنية على الحكمة السياسية . سنستعير ألسنة البسطاء الذين لا هم لهم سوى أن يعيشوا معززين مكرمين في وطنهم عوض الشعور بالغربة في عقر بلدهم .
لا نريد من هذه الحكومة جزاءا ولا شكورا، نريدها فقط أن ترأف لحال هذا الوطن والمواطن . نريدها أن تحسنا بمصداقية تلك الشعارات الرنانة الرامية إلى أن المغرب يتحرك فعلا . نريد منكم فقط أن تجعلوا حاضر المغرب و مستقبله بين نصب أعينكم . لن نطلب منكم سوى أن تشمروا على سواعدكم كأعضاء فاعلين في هذه الحكومة وتخدموا أرض المغرب بكل تفان وإخلاص، فهذا واجبكم ولأجل ذلك أديتم اليمين . أما الخاسر الأكبر أصبح همه الوحيد الآن هو مستقبل المغرب أكثر من أي شيء آخر . رجاءا لا تقتلوا فينا آخر رمق وطني يشعرنا بمعنى الوجود والحس الوطني، فنحن حتى اللحظة لن نرضى باعتلاء أراضي الآخرين ولا نطمع بجنسيات الآخرين، نحن مغاربة وسنظل كذلك إن تعاونتم معنا . فوحده حب هذا الوطن من يقعدنا عن حزم حقائبنا والهجرة إلى بلدان الآخرين ولا ينقصنا في سبيل ذلك المال أو الجرأة والمخاطرة بأرواحنا للخروج من هذه الغربة الداخلية القاتلة . نعم، وحده حب المغرب من يجعلنا نستميت ونتجلد رغم الداء والأعداء … وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج















مواقع وروابط مختارة 























أكتوبر 21st, 2007 at 21 أكتوبر 2007 7:07 م
لقد وفيت الموضوع حقه واتمنى ان تصل الرسالة.
لقد فعلتها الاقلية المخدوعة. اما الاغلبية الصامتة فلها راي اخر.
مزيدا من التالق كعادتك.
دام لك الاشراق والتجلي.
أكتوبر 21st, 2007 at 21 أكتوبر 2007 8:14 م
باسم الذي من العدم أوجدني ، أبلغ لك أزكى تحياتي …
أخي المتألق ،، كم يسعدني اتباع جديدك الرائع الذي يحررني من عالم الخيال فيلقيني باهتمام بالغ نحو واقع مأساوي …
إني حقا لفخورة و معتزة برصد ما تبعثه وطنيتك الشريفة ليعكسه قلمك النبيل محاولا نسج ما تكنه معظم قلوبنا الصامتة في بلادنا الكريمة ..
كلامي المتواضع لن يكرم منزلتك الحسنة يا كاتبنا الثائر
فواصل فلك مني أعظم تقدير و أجود شكر …
أختك في الله
كوثر ابراهيم
أكتوبر 21st, 2007 at 21 أكتوبر 2007 10:17 م
باسم الذي من العدم أوجدني ،، لك مني أزكى تحية
مقالك رائع يا أخي ،، فإني لأحس بنشوة عارمة يخشع لها القلب احتراما لإبداعك الراقي هذا …
فخورة و معتزة أنا لكون الأقلام الوطنية النبيلة مازالت نابضة بقوة بيننا و أنت أحد منها …فوالله ليعجز اللسان كالعادة عن التعبير بما يخالجني،، فتخونني العبارات كالعادة و أكتفي بثرثرة مهما بلغت شدتها ستبقى ضعيفة أمام ما تبهرنا به أناملك الفريدة .
وضعنا المأساوي في بلادنا الكريمة مرهون بنا كأطر دولة .. فاعلم أن القلم سيغير الشيء الكثير خصوصا و إن كان نزيها كمثل قلمك ..
أخي ،، واصل إمتاعنا و إفادتنا فلك مني أعز تشجيع و أجود شكر و امتنان
و اعلم أني من أول مواكبات سيرك الحافل بالعطاء …
يا كاتبنا الثائر نحن معك ..
أختك : كوثر
أكتوبر 21st, 2007 at 21 أكتوبر 2007 11:12 م
أخي العزيز بلقاسم
صحيح أن المواطن البسيط هو الخاسر الأكبر في هذه اللعبة إلا أنه لا يستحق هذه الخسارة نظرا لعدم تكافؤ الفريقين أو لعدم حياد التحكيم.
وإذا كان هذا المواطن يستحق لقب الخاسر الأكبر فإن الفريق الآخر يستحق لقب المنبوذ الأكبر.
تحياتي أخي الكريم
أكتوبر 23rd, 2007 at 23 أكتوبر 2007 1:20 ص
كيف حالك صديقي قاسم وما جديد أحمد
صراحة كنا نعرفو عليك غير شاعر ف أيام الدراسة ، ياك ماكلبتيها محلل سياسي أو ناقد ؟
ولكن كيما كان الحال راك عاطي أخاي قاسم بحال ديما .
تهلا وسلم على أحمد و دوز راك غبرتي بزاف
أكتوبر 25th, 2007 at 25 أكتوبر 2007 10:11 ص
اخي العزيز يهمنمي جدا ان اسمع {ايك في قصتي الاخيره كلهم لصوص ياصديقي
اخوك
عبدالله الواسطي
يوميات زغلول العراقي
http://alwasity10.maktoobblog.com/?all=1
أكتوبر 25th, 2007 at 25 أكتوبر 2007 6:08 م
مقال في المستوى
في الحقيقة لا ارى خاسرا غير الامسؤولين ولعبة السياسة تنقلب على صاحبها مثل “الجومانجي” .